وزنه أقل من 18 جرامًا.. روبوت سوني ينجح في مهمة جراحية شديدة الدقة

في تطور قد يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى أفلام الخيال العلمي، كشفت شركة سوني عن روبوت جراحي صغير مستوحى من فن الأوريغامي الياباني، صُمم لمساعدة الأطباء في تنفيذ عمليات بالغة الدقة داخل العين. ونجح الروبوت بالفعل في إجراء حقن تحت شبكية العين داخل نموذج حيواني، في خطوة اعتبرها الباحثون انتقالًا مهمًا من مرحلة التجارب المخبرية إلى الاختبارات ما قبل السريرية.

المشروع طوّرته شركة Sony Computer Science Laboratories (Sony CSL) بالتعاون مع شركة VC Cell Therapy، ويحمل الروبوت اسم Origanoid. ويعتمد التصميم على هياكل مستوحاة من طريقة طي الورق في الأوريغامي، لكن الهدف هذه المرة ليس صناعة شكل فني، وإنما بناء أداة صغيرة قادرة على تنفيذ حركات دقيقة للغاية في مساحة محدودة داخل غرفة العمليات.
الفكرة الأساسية وراء المشروع ترتبط بمشكلة تواجه الجراحين عند التعامل مع العمليات الدقيقة جدًا، وخصوصًا جراحات الشبكية. فاليد البشرية، مهما بلغت مهارة الطبيب، لها حدود طبيعية عندما يتعلق الأمر بتحريك أداة جراحية لمسافات صغيرة جدًا داخل العين. ولهذا تسعى الأبحاث في مجال الروبوتات الطبية إلى تطوير أدوات يمكنها تقليل الاهتزاز وتحسين دقة الحركة وتوفير تحكم أكثر ثباتًا أثناء الإجراءات الحساسة.
وهنا يأتي دور Origanoid، الذي صُمم ليكون صغيرًا وخفيفًا بصورة لافتة مقارنة بالعديد من أنظمة الروبوتات الجراحية التقليدية. يبلغ حجم الذراع الروبوتية نحو 160 × 50 × 50 مليمترًا، بينما يبلغ وزنها 17.9 جرامًا فقط. ورغم هذا الحجم الصغير، يستطيع النظام تحقيق دقة في تحديد موضع الحركة تصل إلى 12 ميكرومترًا، مع قوة إخراج تصل إلى 550 ملي نيوتن.
هذه الأرقام مهمة لأن الجراحة داخل العين تحتاج إلى مستوى مرتفع جدًا من التحكم. فالروبوت لا يتعامل مع مساحة كبيرة يمكن فيها تصحيح الخطأ بسهولة، وإنما يعمل في بيئة شديدة الحساسية، حيث يمكن لحركة صغيرة غير دقيقة أن تؤثر على الأنسجة المحيطة.
كيف يعمل الروبوت الجديد؟
يعتمد Origanoid على تصميم ميكانيكي مختلف عن الروبوتات الجراحية الكبيرة التي تستخدم أذرعًا معدنية معقدة. واستفاد الباحثون من مبادئ مستوحاة من الأوريغامي لبناء هيكل صغير وخفيف يمكنه الحركة بدقة دون الحاجة إلى نظام ضخم يشغل مساحة كبيرة في غرفة العمليات.
ويتحرك النظام بثلاث درجات أساسية من الحرية، تشمل حركتين دورانيّتين وحركة خطية لإدخال الأداة وإخراجها. كما يعتمد على ما يعرف بمركز الحركة البعيد، بحيث يمكن تثبيت نقطة الدخول إلى العين بينما تتحرك الأداة حولها بطريقة مناسبة للإجراء الجراحي.
ومن أبرز الجوانب التي ركز عليها الباحثون أيضًا فصل الجزء الذي يلامس البيئة المعقمة عن وحدة التشغيل القابلة لإعادة الاستخدام. ويستخدم التصميم اقترانًا مغناطيسيًا بين الأجزاء، وهو ما يسمح بفصل الذراع القابل للتعقيم عن بقية مكونات النظام.
وهذه النقطة ليست مجرد تفصيل هندسي، لأن أي جهاز يستخدم في الجراحة يجب أن يراعي متطلبات التعقيم والسلامة. لذلك حاول الباحثون أن يجعلوا التصميم مناسبًا لبيئة العمليات، مع إمكانية استخدام مواد بلاستيكية شائعة نسبيًا وبنية أبسط من الأنظمة التقليدية.
كما أضاف الفريق وظيفة أمان مهمة؛ ففي حالة حدوث مشكلة في الطاقة أو طلب الجراح إيقاف الأداة، يستطيع النظام تحرير الأداة الجراحية خلال أقل من 50 مللي ثانية. وخلال اختبار إضافي شمل 100 عملية تفعيل متتالية، عملت آلية التحرير الطارئ بنجاح دون تسجيل فشل.
الاختبار داخل العين يكشف الإمكانات الحقيقية
أهم ما يجعل الإعلان لافتًا ليس شكل الروبوت أو صغر حجمه، وإنما نجاحه في تنفيذ إجراء حقيقي داخل نموذج حيواني. فقد اختبر الفريق Origanoid في عملية حقن تحت الشبكية باستخدام نموذج أرنب، بهدف محاكاة الظروف التي يمكن أن يعمل فيها الجهاز مستقبلًا أثناء جراحات العيون الدقيقة.

وأظهرت التجارب قدرة الروبوت على توجيه إبرة جراحية بدقة إلى المنطقة المستهدفة، ثم إيصال السائل إلى المساحة الموجودة أسفل الشبكية. وظهور ما يعرف بـ”الفقاعة تحت الشبكية” كان دليلًا على وصول السائل إلى المكان المطلوب، وهو مؤشر مهم على نجاح عملية الحقن. كما لم يسجل الفريق فشلًا في ست تجارب حيوانية متتالية خلال الدراسة.
ولا يعني ذلك أن الروبوت أصبح جاهزًا للاستخدام على البشر. هذه نقطة مهمة للغاية، لأن التجارب الحيوانية تمثل مرحلة مبكرة في تطوير الأجهزة الطبية، وتحتاج التقنيات بعد ذلك إلى اختبارات إضافية للتحقق من السلامة والاعتمادية والقدرة على العمل لفترات طويلة قبل الانتقال إلى التجارب السريرية.
وتشير الدراسة نفسها إلى أن عدد التجارب كان محدودًا، وبالتالي لا يمكن اعتبار النتائج الحالية إثباتًا نهائيًا لسلامة الجهاز في جميع الظروف. كما يحتاج الباحثون إلى مزيد من الاختبارات لدراسة عمر المكونات الميكانيكية واحتمالات التلف والإجهاد الناتج عن الاستخدام، حتى مع توجه التصميم أساسًا نحو إمكانية الاستخدام لمرة واحدة في بعض التطبيقات.
لماذا تهتم سوني بجراحات الشبكية؟
قد يبدو دخول سوني إلى مجال الروبوتات الجراحية مفاجئًا لمن يعرف الشركة أساسًا من خلال أجهزة التلفزيون وPlayStation والكاميرات والهواتف سابقًا، لكن الشركة تعمل منذ سنوات على تقنيات دقيقة للعمليات الجراحية والروبوتات الطبية.
وفي عام 2024، كشفت سوني عن نموذج لروبوت مساعد في جراحات الأوعية الدموية والأعصاب الدقيقة، وكان قادرًا على التعامل مع أدوات جراحية صغيرة وتبديلها تلقائيًا. كما أظهرت تجارب سابقة إمكانية استخدام الروبوت للمساعدة في خياطة أوعية دموية شديدة الصغر في نماذج حيوانية.
لكن مشروع Origanoid يأخذ الفكرة إلى مستوى أكثر تخصصًا، إذ يركز على الجراحة داخل العين، وهي من المجالات التي تتطلب دقة شديدة بسبب صغر حجم الأنسجة والمساحات التي يعمل فيها الطبيب.
وتزداد أهمية هذه التقنية مع تطور علاجات أمراض الشبكية والعلاجات الجينية والخلوية، والتي قد تتطلب إيصال مواد أو خلايا إلى مناطق دقيقة للغاية داخل العين. وترى الدراسة أن الروبوتات الصغيرة عالية الدقة يمكن أن تساعد مستقبلًا في مثل هذه الإجراءات، إذا تمكنت من اجتياز مراحل الاختبار والتطوير المطلوبة.
واللافت هنا أن الهدف ليس بالضرورة استبدال الطبيب بروبوت مستقل. الفكرة الأساسية هي منح الجراح أداة أكثر ثباتًا ودقة لتنفيذ الحركات التي يصعب القيام بها يدويًا، بما يسمح للإنسان بالاحتفاظ بقرار العملية بينما يتولى النظام الميكانيكي تنفيذ الحركات الدقيقة.
ومع ذلك، ما زال الطريق طويلًا قبل أن نرى روبوت Origanoid داخل المستشفيات بصورة تجارية. فنجاح التجربة على نموذج حيواني يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن الجهاز آمن للاستخدام البشري. وسيحتاج الفريق إلى المزيد من الاختبارات والتحقق من الاعتمادية، إضافة إلى استكمال المتطلبات التنظيمية والطبية اللازمة قبل أي استخدام سريري.
لكن أهمية المشروع تكمن في إثبات فكرة كانت تبدو غير تقليدية: يمكن لتصميم مستوحى من طي الورق الياباني أن يتحول إلى أداة روبوتية قادرة على تنفيذ حركات دقيقة داخل العين.
وبينما تتجه شركات ومراكز أبحاث عديدة إلى تطوير روبوتات للجراحة الدقيقة، تحاول سوني تقديم نموذج مختلف يقوم على الصغر والبساطة والدقة بدل الاعتماد فقط على الروبوتات الكبيرة والمعقدة. وإذا نجحت هذه الفكرة في تجاوز المراحل المقبلة، فقد تصبح الروبوتات الصغيرة جزءًا مهمًا من مستقبل جراحات العيون والعلاجات التي تحتاج إلى تدخلات بالغة الدقة.
في النهاية، لا يمكن القول إن سوني اخترعت “طبيبًا آليًا” أو أن الروبوت أصبح قادرًا على إجراء عمليات بشرية بمفرده، لكن ما حدث يمثل خطوة بحثية حقيقية ومهمة: جهاز لا يتجاوز وزنه 18 جرامًا تقريبًا استطاع توجيه أداة جراحية بدقة ميكرومترية والمساعدة في إيصال سائل إلى منطقة دقيقة أسفل الشبكية في نموذج حيواني.

وقد يكون هذا هو الجزء الأكثر إثارة في القصة؛ فالمستقبل الطبي قد لا يعتمد فقط على الروبوتات العملاقة التي نراها في غرف العمليات، بل ربما يأتي أيضًا من أجهزة صغيرة جدًا، مستوحاة من فكرة بسيطة مثل طي الورق، لكنها قادرة على تنفيذ حركات لا تستطيع اليد البشرية القيام بها بنفس الدرجة من الثبات والدقة.


