علي بابا تجمع 10.2 مليار دولار لتعزيز الذكاء الاصطناعي.. أكبر طرح أسهم في تاريخ هونج كونج

في خطوة ضخمة تعكس حجم الرهان المتزايد على الذكاء الاصطناعي، أعلنت شركة علي بابا إتمام طرح أسهم جديد بقيمة 80 مليار دولار هونج كونجي، أي نحو 10.2 مليار دولار أمريكي، بهدف تمويل خططها للتوسع في تقنيات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية. وأكدت الشركة إتمام الصفقة في 26 أغسطس 2026، بعد طرح 710 ملايين سهم جديد بسعر 112.70 دولار هونج كونجي للسهم.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تكثف فيه علي بابا استثماراتها في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، في محاولة لتعزيز موقعها في واحدة من أسرع المجالات نموًا في قطاع التكنولوجيا العالمي. وتعتبر الصفقة أكبر عملية طرح أسهم إضافية أولية لشركة مدرجة في هونج كونج، ما يجعلها حدثًا لافتًا في الأسواق الآسيوية ويعكس حجم الأموال التي أصبحت شركات التكنولوجيا مستعدة لضخها في سباق الذكاء الاصطناعي.
علي بابا تضخ مليارات الدولارات في الذكاء الاصطناعي
بحسب التفاصيل التي أعلنتها علي بابا، ستوجه الشركة صافي الأموال الناتجة عن عملية الطرح بالكامل تقريبًا إلى تطوير قدراتها في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المرتبطة بها. وتخطط الشركة لاستخدام نحو 60% من الأموال لتوسيع البنية التحتية للحوسبة عالميًا، بينما سيتم تخصيص نحو 40% لتسريع بناء مراكز بيانات ضخمة مخصصة للذكاء الاصطناعي وتحديث البنية التحتية السحابية.
وتوضح هذه الأرقام أن علي بابا لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد إضافة إلى خدماتها الحالية، بل باعتباره أحد المحاور الأساسية لاستراتيجيتها المستقبلية. فالشركة تعمل على توسيع قدرات الحوسبة ومراكز البيانات والشبكات وقواعد البيانات، إلى جانب تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية التي يمكن للشركات والمطورين الاعتماد عليها.
وتأتي هذه الاستثمارات ضمن سباق عالمي ضخم بين شركات التكنولوجيا لبناء البنية التحتية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة. فارتفاع الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى قدرات حوسبة هائلة ومراكز بيانات متطورة، وهو ما دفع شركات التكنولوجيا الكبرى حول العالم إلى زيادة الإنفاق الرأسمالي بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة.
وتسعى علي بابا من خلال هذه الاستثمارات إلى تعزيز أعمالها في مجال Alibaba Cloud، بالإضافة إلى تطوير منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي تشمل العتاد والبنية التحتية والنماذج والخدمات التي تعتمد عليها الشركات.
لماذا أثار الطرح قلق المستثمرين؟
رغم ضخامة المبلغ الذي جمعته الشركة، فإن الإعلان عن طرح الأسهم لم يلقَ ترحيبًا كاملًا في الأسواق. فقد تعرض سهم علي بابا لضغوط قوية بعد الإعلان عن الصفقة، إذ شعر بعض المستثمرين بالقلق من حجم الإنفاق المطلوب على الذكاء الاصطناعي ومدى سرعة تحقيق عوائد مالية من هذه الاستثمارات. وتراجع السهم في هونج كونج بنحو 10% في بداية التداولات بعد الإعلان عن عملية الطرح.
ويرتبط جزء من المخاوف أيضًا بعملية تخفيف ملكية المساهمين الحاليين، إذ ستضيف علي بابا 710 ملايين سهم جديد إلى السوق، وهو ما يعادل نحو 3.6% من رأس مال الشركة بعد زيادة عدد الأسهم. كما أن سعر الطرح جاء بخصم مقارنة بسعر إغلاق السهم السابق، الأمر الذي زاد من حساسية المستثمرين تجاه الصفقة.

لكن في المقابل، تشير المعطيات إلى وجود اهتمام قوي من المستثمرين بالصفقة، حيث قالت مصادر مطلعة لرويترز إن الطرح شهد طلبًا قويًا من مؤسسات استثمارية، بما في ذلك صناديق ثروة سيادية. كما شارك رئيس مجلس إدارة علي بابا جو تساي في شراء أسهم الشركة، في إشارة إلى الثقة في استراتيجية المجموعة طويلة الأجل.
تراجع الأرباح يضع استراتيجية الذكاء الاصطناعي تحت الاختبار
جاء جمع هذه الأموال في وقت تواجه فيه علي بابا تحديًا آخر يتمثل في ارتفاع تكلفة استثماراتها في الذكاء الاصطناعي. فقد أعلنت الشركة عن انخفاض أرباحها الفصلية بنسبة 75% خلال الربع من أبريل إلى يونيو 2026، لتصل إلى نحو 10.5 مليار يوان، مقارنة بـ43.1 مليار يوان خلال الفترة نفسها من العام السابق.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت النفقات الرأسمالية للشركة بنسبة 75% لتصل إلى نحو 67.7 مليار يوان، مدفوعة بشكل رئيسي بالاستثمارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ورغم انخفاض الأرباح، ارتفعت إيرادات الشركة بنسبة 9% لتقترب من 269 مليار يوان، كما حققت أعمال الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية نموًا قويًا.
وهنا تظهر أهمية الأموال الجديدة التي جمعتها الشركة؛ إذ يمكن أن تساعدها على مواصلة بناء قدرات الحوسبة ومراكز البيانات دون الاعتماد فقط على التدفقات النقدية الناتجة عن أعمالها التقليدية.
وتعتقد إدارة علي بابا أن الطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية يمكن أن يؤدي إلى عوائد قوية مستقبلًا. وكانت الشركة قد أعلنت سابقًا عن خطة استثمارية كبيرة تمتد لثلاث سنوات في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية، ما يوضح أن عملية جمع 10.2 مليار دولار ليست خطوة منفصلة، وإنما جزء من استراتيجية استثمارية أكبر.
أكبر رهان لعلي بابا على مستقبل الذكاء الاصطناعي
تأتي خطوة علي بابا في وقت أصبح فيه الذكاء الاصطناعي محور المنافسة الرئيسي بين شركات التكنولوجيا الصينية والأمريكية. وتحتاج الشركات التي ترغب في المنافسة في هذا المجال إلى استثمارات ضخمة في الرقائق ومراكز البيانات وشبكات الاتصال والتخزين، بالإضافة إلى تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وتحسين قدرتها على تشغيلها بكفاءة.
وتحاول علي بابا بناء ما تسميه قدرات Full-Stack AI، أي منظومة متكاملة تشمل مختلف المراحل اللازمة لتقديم خدمات الذكاء الاصطناعي، بدءًا من البنية التحتية والحوسبة وصولًا إلى النماذج والخدمات التي يستخدمها العملاء.
وتكشف عملية الطرح أيضًا عن مدى أهمية الحوسبة السحابية بالنسبة إلى مستقبل الشركة. فمراكز البيانات الجديدة لن تخدم نماذج علي بابا فقط، وإنما يمكن أن توفر قدرات حوسبة للشركات والمطورين الذين يرغبون في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي دون بناء بنية تحتية خاصة بهم.
ومن المتوقع أن تستمر المنافسة في السوق الصينية خلال السنوات المقبلة، مع وجود شركات تقنية عديدة تعمل على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي خاصة بها. ولهذا فإن علي بابا تحاول زيادة قدرتها على الإنفاق والاستثمار في وقت تتسارع فيه المنافسة على العملاء والمطورين والبنية التحتية.
في النهاية، تمثل عملية جمع 10.2 مليار دولار نقطة مهمة في مسيرة علي بابا نحو التحول إلى شركة أكثر اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. وعلى الرغم من الضغوط التي تعرض لها السهم بعد الإعلان عن طرح الأسهم، فإن الشركة تراهن على أن الطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي سيبرر هذه الاستثمارات الضخمة خلال السنوات المقبلة.

ويبقى التحدي الأكبر أمام علي بابا هو تحويل هذه المليارات إلى نمو فعلي في الإيرادات والأرباح. فحجم الاستثمار وحده لا يضمن النجاح، بينما سيكون أداء خدمات الذكاء الاصطناعي والسحابة وقدرتها على جذب العملاء وتحقيق عوائد مرتفعة هو العامل الأهم في تحديد ما إذا كان هذا الرهان الضخم سيؤتي ثماره أم لا.


